الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
481
المنقذ من التقليد
على إظهار التناقض في القرآن إن كان فيه تناقض » ، قال : « نعم » . قال : « فلو كان فيه تناقض لأظهروه ولنقلوه ، وكيف يعرضون عنه بعد الظفر به ، وقد كان عليه يقرأ عليهم . « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » « 1 » . وهذا يكفي في دفع جميع المطاعن عن القرآن على الجملة على أنّ علماء الإسلام قد بالغوا في دفع هذه المطاعن على التفصيل ، فذكروا كلّ ما ذكره الطاعن في القرآن من الآيات المعيّنة ، وبيّنوا الموافقة بينها وبين غيرها ، وذكروا شواهدها من كلام العرب ، وبينوا خطأ من ادّعى فيها أخطاء « 2 » . ومنها : قول الباطنيّة انّ لظواهر القرآن معاني باطنيّة لا يعلمها إلّا إمامهم وأنّه ينبغي أن يتعلّم منه . وفي هذا إبطال كونه معجزا ، لأنّ البلاغة في الكلام إنّما تظهر بجزالة اللفظ وحسن المعنى ، فإذا لم يعرف للكلام معنى ، كيف يبيّن ويظهر فيه الفصاحة والإعجاز ، وكيف يصحّ التحدّي به ، وهل يكون ذلك عند من تحدّى به إلّا بمنزلة الهجر والهذيان . يوضّح هذا أنّ في التحدّي لا بدّ من أن يعرف المتحدّي معنى ما تحدّى به من الكلام ، فيعلم مبلغه من الفصاحة ، فإن تمكّن من مثله فيها أتى بمثله ، وهذا لا يصحّ فيما لا يعرف له معنى . ولهؤلاء المبطلين غرضان اثنان فيما قالوه ، أحدهما : إبطال كون القرآن معجزا ، وثانيهما : أن يدسّوا فيما يذكرونه من المعاني الباطنة الدعوة إلى مذاهبهم ويضلّوا العوامّ ويستميلوهم إلى اعتقاد أنّ أئمتهم هم العلماء بمعاني القرآن دون غيرهم من علماء المسلمين . والوجه في الردّ عليهم أن يقال لهم : هل يدلّ الظاهر على المعنى الباطن
--> ( 1 ) النساء : 82 . ( 2 ) م : فيه الخطأ .